محمد بن جرير الطبري

90

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بن مسعدة . قال : ثنا سفيان بن حبيب ، قال : ثنا العوام بن حوشب ، قال : قلت ل مجاهد : الصوم في السفر ؟ قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم فيه ويفطر ، قال : قلت فأيهما أحب إليك ؟ قال : إنما هي رخصة ، وأن تصوم رمضان أحب إلي . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن حماد ، عن سعيد بن جبير وإبراهيم ومجاهد أنهم قالوا : الصوم في السفر ، إن شاء صام وإن شاء أفطر ، والصوم أحب إليهم . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، قال : قال لي مجاهد في الصوم في السفر ، يعني صوم رمضان : والله ما منهما إلا حلال الصوم والإِفطار ، وما أراد الله بالإِفطار إلا التيسير لعباده . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن الأَشعث بن سليم ، قال : صحبت أبي سليم والأَسود بن يزيد وعمرو بن ميمون وأبا وائل إلى مكة ، وكانوا يصومون رمضان وغيره في السفر . حدثنا علي بن حسن الأَزدي . قال : ثنا معافي بن عمران ، عن سفيان ، عن حماد ، عن سعيد بن جبير : الفطر في السفر رخصة ، والصوم أفضل . حدثني محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي ، قال : ثنا يعقوب ، قال : ثنا صالح بن محمد بن صالح ، عن أبيه محمد بن صالح قال : قلت للقاسم بن محمد : إنا نسافر في الشتاء في رمضان ، فإن صمت فيه كان أهون علي من أن أقضيه في الحر . فقال : قال الله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ما كان أيسر عليك فافعل . وهذا القول إباحة الإِفطار في السفر رحمة من الله عندنا أولى بالصواب لإِجماع الجميع على أن مريضا لو صام شهر رمضان وهو ممن له الإِفطار لمرضه أن صومه ذلك مجزئ عنه ، ولا قضاء عليه إذا برأ من مرضه بعدة من أيام أخر ، فكان معلوما بذلك أن حكم المسافر حكمه في أن لا قضاء عليه إن صامه في سفره ، لأَن الذي جعل للمسافر من الإِفطار وأمر به من قضاء عدة من أيام أخر مثل الذي جعل من ذلك للمريض وأمر به من القضاء . ثم في دلالة الآية كفاية مغنية عن استشهاد شاهد على صحة ذلك بغيرها ، وذلك قول الله تعالى ذكره : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ولا عسر أعظم من أن يلزم من صامه في سفره عدة من أيام أخر ، وقد تكلف أداء فرضه في أثقل الحالين عليه حتى قضاه وأداه . فإن ظن ذو غباوة أن الذي صامه لم يكن فرضه الواجب ، فإن في قول الله تعالى ذكره : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ، شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ما ينبئ أن المكتوب صومه من الشهور على كل مؤمن هو شهر رمضان مسافرا كان أو مقيما ، لعموم الله تعالى ذكره المؤمنين بذلك بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ شَهْرُ رَمَضانَ وأن قوله : وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ معناه : ومن كان مريضا أو على سفر فأفطر برخصة الله فعليه صوم عدة أيام أخر مكان الأَيام التي أفطر في سفره أو مرضه . ثم في تظاهر الأَخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله إذا سئل عن الصوم في السفر : " إن شئت فصم ، وإن شئت فأفطر " ، الكفاية الكافية عن الاستدلال على صحة ما قلنا في ذلك بغيره . حدثنا هناد ، قال : ثنا عبد الرحيم ووكيع ، وعبدة بن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : أن حمزة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر ، وكان يسرد الصوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن شئت فصم وإن شئت فأفطر " حدثنا أبو كريب وعبيد بن إسماعيل الهباري قالا : ثنا ابن إدريس ، قال : ثنا هشام بن عروة ، عن أبيه عروة أن حمزة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحوه . حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : ثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد ، قال : أخبرنا حيوة بن شريح ، قال : أخبرنا أبو الأَسود أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن أبي مراوح عن حمزة الأَسلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : يا رسول الله إني أسرد الصوم فأصوم في السفر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما هي رخصة من الله لعباده ، فمن فعلها فحسن جميل ، ومن تركها فلا جناح عليه " فكان حمزة يصوم الدهر ، فيصوم في السفر والحضر ؛ وكان عروة بن الزبير يصوم الدهر ، فيصوم في السفر والحضر ، حتى إن كان ليمرض فلا يفطر ؛ وكان أبو مراوح يصوم الدهر ، فيصوم في السفر والحضر . ففي هذا حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم مع نظائره من الأَخبار التي يطول باستيعابها الكتاب الدلالة الدالة على صحة ما قلنا من أن الإِفطار رخصة لا عزم والبيان الواضح على صحة ما قلنا في تأويل قوله وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ فإن قال قائل : فإن الأَخبار بما قلت وإن كانت متظاهرة ، فقد